ذاكرة الأجداد: قصص من التراث الفلسطيني
بواسطة هبة محمد خضير
|
القسم: تراث
|
نشرت بتاريخ: 2024-05-01
التراث الفلسطيني غني بالقصص والحكايات التي توارثتها الأجيال. هذه القصص ليست مجرد سرد لأحداث ماضية، بل هي جزء حي من الهوية الفلسطينية، تحمل في طياتها قيم الصبر والتضحية والانتماء للأرض. من حكايات الحصاد إلى قصص البطولة، كل واحدة منها تروي فصلاً من تاريخ شعب لا ينسى جذوره
.
في قرية "دير غسانة" الرابضة على تلال القدس، حيث تعانق الغيوم قمم الجبال، كان الحاج "أبو صالح" يجلس كل مساء تحت زيتونته "الرومية" العتيقة. تلك الشجرة لم تكن مجرد نبات ينمو في التراب، بل كانت بالنسبة له ديواناً من الحكايات، وسجلاً محفوراً في ذاكرة الأجداد.
العهد القديم
كان حفيده "كرم" يحب الجلوس بجانبه، يراقب تجاعيد وجه جده التي تشبه تشققات جذع الزيتونة. في أحد المساءات، وبينما كانت رائحة الميرمية تفوح من إبريق الشاي على الحطب، سأل كرم: "يا جدي، لماذا تهمس للشجرة دائماً قبل أن تبدأ بقطف ثمارها؟".
ابتسم الحاج أبو صالح، ومسح على رأس حفيده قائلاً: "يا بني، هذه الشجرة رآها جدي وجد جدي. هي لم تعش بالماء وحده، بل عاشت بدموعنا، وعرقنا، وأهازيج جداتك في مواسم الحصاد. هي ذاكرتنا التي لا تشيخ".
مفتاح العودة
بدأ الجد يقص على مسامع الصبي حكايا "العونة"، حين كان أهل القرية يجتمعون كقلب واحد في مواسم الحصاد. حكى له عن "الموسم"، وعن صوت "اليرغول" الذي كان يبعث الحياة في الحجر. ثم، ببطء شديد، أخرج من جيبه مفتاحاً حديدياً كبيراً، علاه الصدأ لكنه ظل متيناً.
"هذا المفتاح يا كرم، ليس لبيت من طين وحجر فحسب، بل هو مفتاح لعهد قطعناه. هو ذكرى الدار التي كانت في 'يافا'، حيث كانت رائحة البرتقال تسكر العابرين. لقد ورثته عن والدي، وهو وصيتك من بعدي."
التراث كفعل بقاء
لم تكن قصص الجد مجرد رثاء للماضي، بل كانت دروساً في البقاء. حدّثه عن "الثوب الفلسطيني" الذي تطرزه النساء، وكيف أن كل غرزة "تطريز" تحكي قصة مدينة؛ فغرزة الخليل تختلف عن غرزة غزة، وكأن النساء كنّ يكتبن تاريخ الجغرافيا بخيوط الحرير.
قال الجد بصوت متهدج: "يا كرم، الذاكرة هي سلاحنا. العدو يريدنا أن ننسى، لكن كيف ينسى المرء ملامح أمه؟ إن التراث ليس رقصة "دبكة" أو ثوباً نرتديه في المناسبات فقط، بل هو إيماننا بأننا أصحاب هذه الأرض، وأن جذورنا أعمق من كل محاولات الاقتلاع".
الوصية
مع غروب الشمس خلف التلال، مدّ الجد يده وأخذ حفنة من التراب، وضعها في كف كرم وأغلق عليها أصابعه الصغيرة. "شمّها يا بني.. هذه رائحة الأجداد. ما دام هذا التراب في قلوبنا، وما دمنا نروي حكايانا لأطفالنا، فلن تضيع لنا حقوق".
عاد كرم إلى البيت في ذلك المساء، وفي أذنيه صدى أهازيج قديمة، وفي قلبه يقين جديد. أدرك أن "ذاكرة الأجداد" ليست مجرد قصص قبل النوم، بل هي الأمانة التي سيعبرها يوماً ما إلى أبنائه، لتبقى فلسطين حية، من جيل إلى جيل.
.
في قرية "دير غسانة" الرابضة على تلال القدس، حيث تعانق الغيوم قمم الجبال، كان الحاج "أبو صالح" يجلس كل مساء تحت زيتونته "الرومية" العتيقة. تلك الشجرة لم تكن مجرد نبات ينمو في التراب، بل كانت بالنسبة له ديواناً من الحكايات، وسجلاً محفوراً في ذاكرة الأجداد.
العهد القديم
كان حفيده "كرم" يحب الجلوس بجانبه، يراقب تجاعيد وجه جده التي تشبه تشققات جذع الزيتونة. في أحد المساءات، وبينما كانت رائحة الميرمية تفوح من إبريق الشاي على الحطب، سأل كرم: "يا جدي، لماذا تهمس للشجرة دائماً قبل أن تبدأ بقطف ثمارها؟".
ابتسم الحاج أبو صالح، ومسح على رأس حفيده قائلاً: "يا بني، هذه الشجرة رآها جدي وجد جدي. هي لم تعش بالماء وحده، بل عاشت بدموعنا، وعرقنا، وأهازيج جداتك في مواسم الحصاد. هي ذاكرتنا التي لا تشيخ".
مفتاح العودة
بدأ الجد يقص على مسامع الصبي حكايا "العونة"، حين كان أهل القرية يجتمعون كقلب واحد في مواسم الحصاد. حكى له عن "الموسم"، وعن صوت "اليرغول" الذي كان يبعث الحياة في الحجر. ثم، ببطء شديد، أخرج من جيبه مفتاحاً حديدياً كبيراً، علاه الصدأ لكنه ظل متيناً.
"هذا المفتاح يا كرم، ليس لبيت من طين وحجر فحسب، بل هو مفتاح لعهد قطعناه. هو ذكرى الدار التي كانت في 'يافا'، حيث كانت رائحة البرتقال تسكر العابرين. لقد ورثته عن والدي، وهو وصيتك من بعدي."
التراث كفعل بقاء
لم تكن قصص الجد مجرد رثاء للماضي، بل كانت دروساً في البقاء. حدّثه عن "الثوب الفلسطيني" الذي تطرزه النساء، وكيف أن كل غرزة "تطريز" تحكي قصة مدينة؛ فغرزة الخليل تختلف عن غرزة غزة، وكأن النساء كنّ يكتبن تاريخ الجغرافيا بخيوط الحرير.
قال الجد بصوت متهدج: "يا كرم، الذاكرة هي سلاحنا. العدو يريدنا أن ننسى، لكن كيف ينسى المرء ملامح أمه؟ إن التراث ليس رقصة "دبكة" أو ثوباً نرتديه في المناسبات فقط، بل هو إيماننا بأننا أصحاب هذه الأرض، وأن جذورنا أعمق من كل محاولات الاقتلاع".
الوصية
مع غروب الشمس خلف التلال، مدّ الجد يده وأخذ حفنة من التراب، وضعها في كف كرم وأغلق عليها أصابعه الصغيرة. "شمّها يا بني.. هذه رائحة الأجداد. ما دام هذا التراب في قلوبنا، وما دمنا نروي حكايانا لأطفالنا، فلن تضيع لنا حقوق".
عاد كرم إلى البيت في ذلك المساء، وفي أذنيه صدى أهازيج قديمة، وفي قلبه يقين جديد. أدرك أن "ذاكرة الأجداد" ليست مجرد قصص قبل النوم، بل هي الأمانة التي سيعبرها يوماً ما إلى أبنائه، لتبقى فلسطين حية، من جيل إلى جيل.
هذه القصة مقدمة من المستخدم: هبة محمد خضير.
التعليقات (2)
يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق.
منتهى احمد
2025-12-31 13:16
جميلة
Arwa tayseer
2025-12-30 18:12
أعجبني