صمود غزة: حكايات من قلب الحصار
بواسطة هبة محمد خضير
|
القسم: صمود
|
نشرت بتاريخ: 2024-01-15
في تلك المدينة التي نسيها الوقت خلف أسوارٍ من حديد وإسمنت، لم تكن الساعات تُقاس بالدقائق، بل بصوت الأنفاس التي تحاول انتزاع حقها في الهواء. الحصار هناك لم يكن مجرد كلمة في نشرات الأخبار، بل كان كائناً لزجاً يتسلل إلى تفاصيل الحياة؛ إلى رغيف الخبز اليابس، إلى خزان المياه الفارغ، وإلى العيون التي أرهقها التحديق في أفقٍ مسدود.
زقاق الأمل الضيق
كان "أبو محمود" رجلاً سبعينياً، نُقشت تجاعيد وجهه كخارطة لبلادٍ لم يعد يصل إليها. كان يسكن في بيتٍ متهالك في حيّ "الصمود"، وهو حيّ قديم تلاصقت بيوته حتى باتت الجدران تسند بعضها البعض خوفاً من السقوط. في فناء بيته الصغير، كان يمتلك "أصيصاً" فخارياً زرع فيه نبتة نعناع وحيدة.
كان الجيران يمرون به ويسألونه بسخرية مبطنة بالحزن: "يا أبا محمود، الناس تبحث عن القمح لتأكل، وأنت تسقي النعناع بما تبقى لك من ماء؟". كان يبتسم بهدوء ويجيب: "القمح يملأ البطن، لكن رائحة النعناع تخبر روحي أن الأرض لا تزال حية، وأننا لسنا مجرد أرقام تحت الحصار". كانت حكاية أبي محمود هي الحكاية الأولى؛ حكاية الجمال كفعل مقاومة.
مدرسة الظلال
على بعد أمتار قليلة، كانت "مريم"، المعلمة الشابة، قد حوّلت قبو منزلها إلى مدرسة صغيرة. الكهرباء كانت ترفاً لا يزورهم إلا لساعات قليلة، فكانت تجمع أطفال الحيّ في ذلك القبو المظلم. كانت تستخدم "الطباشير" لتكتب على الجدران العارية، ليس معادلات رياضية معقدة، بل أسماء مدنٍ لم يروها قط، وتاريخ أجدادٍ رفضوا الانكسار.
في إحدى المرات، سألها طفل صغير: "يا آنسة، لماذا ندرس والحدود مغلقة؟". صمتت مريم قليلاً، ثم أخذت بيده ووضعتها على قلبه وقالت: "العلم هو النافذة التي لا يمكن لأحد أن يبني أمامها جداراً. هم يحاصرون جسدك، لكنهم لا يملكون مفتاح عقلك". كانت مريم تمثل الحكاية الثانية؛ حكاية المعرفة كجسر للحرية.
ابتكارات من رحم الحاجة
أما في ورشة "خالد" الصغيرة، فكان الحصار يتحول إلى طاقة إبداعية مذهلة. خالد شاب في العشرينيات، حُرِم من إكمال دراسته في الهندسة بسبب إغلاق المعابر. لكنه لم يستسلم؛ بدأ بجمع بقايا المحركات القديمة، وقطع الخردة، وأسلاك النحاس المهترئة.
استطاع خالد، بعد محاولات فاشلة دامت شهوراً، أن يصنع جهازاً بسيطاً لتوليد طاقة كهربائية محدودة باستخدام حركة الدراجة الهوائية. كان أطفال الحي يتناوبون على قيادة الدراجة لتشغيل جهاز الراديو الصغير الذي يربطهم بالعالم، أو لشحن مصباح ليد صغير يساعد مريضاً في ليله. كانت ورشة خالد تروي الحكاية الثالثة؛ حكاية الحاجة كأم للاختراع.
عشاء الشموع والدموع
عندما يحل المساء، تكتمل فصول الحكاية في بيت "أم سعيد". كانت تجمع أطفالها الخمسة حول مائدة لا تضم سوى صحن من "الزعتر" وبعض الزيت الذي شحّ وجوده. كانت تروي لهم قصصاً عن الأعياد القديمة، وعن صوت البحر الذي لا يبعد عنهم سوى كيلومترات قليلة لكنهم محرومون من ملامسته.
في إحدى الليالي، سقطت قذيفة قريبة، اهتزت الجدران وتناثر الغبار، فصرخ الصغير خوفاً. احتضنته أم سعيد وهي تهمس في أذنه: "لا تخف يا بني، هذا صوت الرعد الذي يسبق المطر". لم يكن رعداً، لكنها كانت تخلق له عالماً موازياً ليعيش فيه بسلام. هذا هو قلب الحصار؛ حيث تصبح الأم هي الدرع، وهي الحكاية، وهي الوطن.
الخاتمة: الروح التي لا تُهزم
إن "حكايات من قلب الحصار" ليست قصصاً عن الموت، بل هي ملاحم عن إرادة الحياة. فالحصار، رغم قسوته ومراراته، فشل في تحقيق هدفه الأسمى: كسر الكرامة. ظل أبو محمود يسقي نعناعه، وظلت مريم تدرّس أطفالها، وظل خالد يبتكر من الركام حياة.
خلف كل جدار صامت في تلك المدينة، قلب ينبض بالأمل، وعين ترقب الأفق، ويد تزرع في الصخر. إنهم لا ينتظرون شفقة من أحد، بل يسطرون بدمائهم وصبرهم درساً للعالم أجمع: أن الحصار قد يغلق الدروب، لكنه أبداً لا يستطيع أن يغلق القلوب التي آمنت بأن الفجر آتٍ لا محالة.
زقاق الأمل الضيق
كان "أبو محمود" رجلاً سبعينياً، نُقشت تجاعيد وجهه كخارطة لبلادٍ لم يعد يصل إليها. كان يسكن في بيتٍ متهالك في حيّ "الصمود"، وهو حيّ قديم تلاصقت بيوته حتى باتت الجدران تسند بعضها البعض خوفاً من السقوط. في فناء بيته الصغير، كان يمتلك "أصيصاً" فخارياً زرع فيه نبتة نعناع وحيدة.
كان الجيران يمرون به ويسألونه بسخرية مبطنة بالحزن: "يا أبا محمود، الناس تبحث عن القمح لتأكل، وأنت تسقي النعناع بما تبقى لك من ماء؟". كان يبتسم بهدوء ويجيب: "القمح يملأ البطن، لكن رائحة النعناع تخبر روحي أن الأرض لا تزال حية، وأننا لسنا مجرد أرقام تحت الحصار". كانت حكاية أبي محمود هي الحكاية الأولى؛ حكاية الجمال كفعل مقاومة.
مدرسة الظلال
على بعد أمتار قليلة، كانت "مريم"، المعلمة الشابة، قد حوّلت قبو منزلها إلى مدرسة صغيرة. الكهرباء كانت ترفاً لا يزورهم إلا لساعات قليلة، فكانت تجمع أطفال الحيّ في ذلك القبو المظلم. كانت تستخدم "الطباشير" لتكتب على الجدران العارية، ليس معادلات رياضية معقدة، بل أسماء مدنٍ لم يروها قط، وتاريخ أجدادٍ رفضوا الانكسار.
في إحدى المرات، سألها طفل صغير: "يا آنسة، لماذا ندرس والحدود مغلقة؟". صمتت مريم قليلاً، ثم أخذت بيده ووضعتها على قلبه وقالت: "العلم هو النافذة التي لا يمكن لأحد أن يبني أمامها جداراً. هم يحاصرون جسدك، لكنهم لا يملكون مفتاح عقلك". كانت مريم تمثل الحكاية الثانية؛ حكاية المعرفة كجسر للحرية.
ابتكارات من رحم الحاجة
أما في ورشة "خالد" الصغيرة، فكان الحصار يتحول إلى طاقة إبداعية مذهلة. خالد شاب في العشرينيات، حُرِم من إكمال دراسته في الهندسة بسبب إغلاق المعابر. لكنه لم يستسلم؛ بدأ بجمع بقايا المحركات القديمة، وقطع الخردة، وأسلاك النحاس المهترئة.
استطاع خالد، بعد محاولات فاشلة دامت شهوراً، أن يصنع جهازاً بسيطاً لتوليد طاقة كهربائية محدودة باستخدام حركة الدراجة الهوائية. كان أطفال الحي يتناوبون على قيادة الدراجة لتشغيل جهاز الراديو الصغير الذي يربطهم بالعالم، أو لشحن مصباح ليد صغير يساعد مريضاً في ليله. كانت ورشة خالد تروي الحكاية الثالثة؛ حكاية الحاجة كأم للاختراع.
عشاء الشموع والدموع
عندما يحل المساء، تكتمل فصول الحكاية في بيت "أم سعيد". كانت تجمع أطفالها الخمسة حول مائدة لا تضم سوى صحن من "الزعتر" وبعض الزيت الذي شحّ وجوده. كانت تروي لهم قصصاً عن الأعياد القديمة، وعن صوت البحر الذي لا يبعد عنهم سوى كيلومترات قليلة لكنهم محرومون من ملامسته.
في إحدى الليالي، سقطت قذيفة قريبة، اهتزت الجدران وتناثر الغبار، فصرخ الصغير خوفاً. احتضنته أم سعيد وهي تهمس في أذنه: "لا تخف يا بني، هذا صوت الرعد الذي يسبق المطر". لم يكن رعداً، لكنها كانت تخلق له عالماً موازياً ليعيش فيه بسلام. هذا هو قلب الحصار؛ حيث تصبح الأم هي الدرع، وهي الحكاية، وهي الوطن.
الخاتمة: الروح التي لا تُهزم
إن "حكايات من قلب الحصار" ليست قصصاً عن الموت، بل هي ملاحم عن إرادة الحياة. فالحصار، رغم قسوته ومراراته، فشل في تحقيق هدفه الأسمى: كسر الكرامة. ظل أبو محمود يسقي نعناعه، وظلت مريم تدرّس أطفالها، وظل خالد يبتكر من الركام حياة.
خلف كل جدار صامت في تلك المدينة، قلب ينبض بالأمل، وعين ترقب الأفق، ويد تزرع في الصخر. إنهم لا ينتظرون شفقة من أحد، بل يسطرون بدمائهم وصبرهم درساً للعالم أجمع: أن الحصار قد يغلق الدروب، لكنه أبداً لا يستطيع أن يغلق القلوب التي آمنت بأن الفجر آتٍ لا محالة.
هذه القصة مقدمة من المستخدم: هبة محمد خضير.
التعليقات (2)
يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق.
منتهى احمد
2025-12-31 13:15
غزة الحبيبة
هبة محمد خضير
2025-12-30 18:31
ممتاز