رحلة صيد في بحر غزة

بواسطة هبة محمد خضير | القسم: تحدي | نشرت بتاريخ: 2024-06-10
صورة غلاف القصة
كل صباح، ينطلق صيادو غزة في رحلة محفوفة بالمخاطر والأمل. يواجهون تحديات البحر والحصار، لكنهم يعودون محملين بالرزق وقصص الصبر. هذه القصص ليست مجرد يوميات عمل، بل هي تعبير عن علاقة الإنسان بأرضه وبحره، وكفاحه من أجل البقاء والكرامة.
لم يكن الفجر قد أطبق جفونه بعد حين انسلّ "أبو محمد" من فراشه، يجرّ خلفه سنواته الستين التي حفرت أخاديدها في وجهه كما تحفر الأمواج مساراتها في الصخر. في غزة، لا يبدأ النهار بشروق الشمس، بل بصوت محركات القوارب "الحسكات" وهي تشق صمت الميناء، معلنةً بدء معركة يومية من أجل لقمة العيش.

الاستعداد للعناق الأزرق
على رصيف الميناء، كان ابنه الشاب "خالد" بانتظاره، يجهز الشباك بعناية فائقة. فالبحر ليس مجرد ماء وسمك بالنسبة لهما؛ إنه الصديق الغدّار، والملاذ الضيق، والحدود التي لا تكاد تتسع لأحلامهم. وضع أبو محمد يده على كتف ابنه وقال بصوت أجش: "يا كريم يا الله، افتح لنا أبواب رزقك".

انطلق القارب الصغير، تاركاً خلفه أضواء غزة الخافتة. كانت رائحة الملح تملأ الرئتين، وبرودة الفجر تلسع الوجوه، لكن الدفء كان ينبعث من فنجان قهوة "سادة" تشاركه الاثنان وهما يراقبان الأفق. كان عليهما أن يبتعدا لمسافة معينة، مدركين تماماً أن هناك خطوطاً وهمية في عرض البحر لا يجوز تجاوزها، حيث تتربص الزوارق الحربية التي تجعل من رحلة الصيد مغامرة محفوفة بالمخاطر.

معركة الشباك والصبر
بعد ساعة من الإبحار، توقف المحرك. ساد صمت مهيب إلا من صوت ارتطام الموج بجسم القارب. بدأ العمل الشاق؛ ألقيا الشباك بحركات متناغمة حفظاها عن ظهر قلب. "البحر اليوم هادئ، وهذا قد يكون خديعة"، همس خالد وهو يراقب حركة المياه.

ساعات الانتظار هي الاختبار الحقيقي للصياد. جلس أبو محمد يقص على ابنه حكايا البلاد القديمة، حين كان جده يبحر حتى يافا وعكا دون خوف. كانت عيناه تلمعان ببريق الحنين، ثم لا يلبث أن يعود للواقع وهو يرى الطائرات الورقية التي يطيرها أطفال المخيم من بعيد، وكأنها الروابط الوحيدة بين الأرض والسماء.

فجأة، اهتزت العوامات. "اسحب يا خالد!" صرخ الأب. بدأت العضلات تتوتر، والجباه تتصبب عرقاً رغم برودة الجو. كانت الشبكة ثقيلة، وهذا علامة خير. مع كل سحبة، كان الأمل يكبر. وحين بدأت الفضة الحية تقفز من الماء، غمرت الفرحة قلبي الصيادين. سمك "السردين" و"السلطان إبراهيم" وبعض حبات "الجمبري" كانت تتلألأ تحت أشعة الشمس التي بدأت تتسلل من بين الغيوم.

الخطر الكامن
بينما كانا يجمعان الصيد، شق هدوء البحر صوت محرك نفاث سريع. ظهر زورق حربي في الأفق، وبدأ بإطلاق رشقات تحذيرية في الهواء. لم يكن هذا المشهد جديداً، لكنه دائماً ما يثير الرعب. "بسرعة يا خالد، شغّل المحرك!" صاح أبو محمد.

كانت لحظات عصيبة، حيث تتسارع دقات القلب مع تسارع القارب للابتعاد عن "منطقة الخطر" المتغيرة باستمرار. لم تكن الرغبة في النجاة من أجل النفس فقط، بل من أجل القارب الذي يمثل رأسمال العائلة الوحيد، ومن أجل الأطفال الذين ينتظرون "الغلة" في البيت.

العودة إلى الميناء
مع اقتراب الغروب، عاد القارب إلى الميناء. كانت الشمس تصبغ سماء غزة بلون أرجواني ساحر، وكأنها تعتذر للصيادين عما واجهوه من تعب. في الميناء، كانت الجلبة في ذروتها؛ أصوات الدلالين، صياح المشترين، ورائحة السمك الطازج التي تزكم الأنوف.

باع أبو محمد صيده بمبلغ بالكاد يغطي ثمن السولار وبعض احتياجات البيت، لكن الرضا كان يملأ قلبه. عاد إلى بيته يحمل "رطل" سمك طازج لزوجته، لتمارس طقسها المعتاد في قليه مع "الدقة" الغزاوية الحارة.

الخلاصة: رحلة الصيد في غزة ليست مجرد نزهة أو مهنة عادية، بل هي قصة صمود يومية. إنها علاقة حب وإكراه بين إنسان محاصر وبحر يرفض أن يغلق أبوابه في وجهه. في كل سمكة يتم اصطيادها، هناك حكاية تحدٍ، وفي كل موجة تنكسر على القارب، هناك دعاء بالعودة سالماً.

هذه القصة مقدمة من المستخدم: هبة محمد خضير.

التعليقات (0)

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات حالياً. كن أول من يعلق على هذه القصة!