فن التطريز الفلسطيني: حكاية خيط وإبرة
بواسطة هبة محمد خضير
|
القسم: تراث
|
نشرت بتاريخ: 2024-07-20
التطريز الفلسطيني ليس مجرد حرفة، بل هو فن يحكي قصصاً عن التاريخ والهوية. كل غرزة تحكي عن قرية، وكل لون يرمز إلى معنى. النساء الفلسطينيات يحافظن على هذا التراث العريق، وينقلنه من جيل إلى جيل، ليظل شاهداً على الإبداع والصمود.
في زاوية صغيرة من مخيم الشاطئ، حيث تتزاحم البيوت وتتشابك أزقتها كخيوط "الماركة" على قطعة قماش، جلست الحاجة "أم إبراهيم" وخلفها نافذة تطل على بحر غزة الذي لا يمل من رواية قصص الصابرين. في حجرها، ثوب أسود من الحرير، وفي يدها إبرة رفيعة تجر خلفها خيطاً حريرياً بلون أحمر قانٍ، كأنه قطرة من دم القلب تُرسم على القماش.
لم يكن التطريز بالنسبة لأم إبراهيم مجرد حرفة، بل كان صلاة يومية، وطقساً من طقوس البقاء. تقول لحفيدتها "سارة" التي كانت تراقب حركة يدها بذهول: "يا ستي، الغرزة مش بس خيط، الغرزة ذاكرة. إذا ضاعت الغرزة، ضاع اسم البلاد".
بدأت الحكاية حين كانت أم إبراهيم طفلة في الثامنة، هناك في قرى يافا المهجرة. كانت تشاهد أمها وجدتها يجتمعن في "الحاكورة" تحت شجرة برتقال، يتبادلن الأحاديث التي لا تنتهي، بينما تتحرك أصابعهن بسرعة مذهلة لترسم "عروق الورد" و"ريش النعام".
"أتذكرين يا سارة؟" تسأل الجدة وهي تغرز الإبرة في القماش، "هذه الغرزة تسمى (القلادة). كانت تلبسها العروس لتشبه الملكات. في غزة، تعلمنا أن التطريز هو هويتنا التي لا يستطيع أحد مصادرتها. فالسجان قد يسرق الأرض، لكنه لا يستطيع سرق شكل (نجمة كنعان) من ذاكرتنا".
كانت غزة دوماً حاضنة لهذا الفن، فالمهاجرات اللواتي وصلن إليها عام 1948 حملن معهن أثوابهن كوثائق ملكية. ثوب بئر السبع الواسع بزهوره البرية، وثوب يافا المزين بأشجار السرو، وثوب الخليل الثقيل بألوانه الداكنة. في مخيمات غزة، اختلطت هذه الأنماط لتشكل لوحة فسيفسائية فريدة، وأصبح التطريز "لغة سرية" تعبر عن الصمود.
لم تكن الرحلة سهلة. ففي غزة، حيث الحصار يطبق فكيه على كل شيء، صار الحصول على خيوط "DMC" الفرنسية الأصلية أو القماش "الكنفا" رحلة شاقة. تتذكر أم إبراهيم سنوات الانتفاضة، حين كان التجول ممنوعاً، كانت النسوة يطرزن في العتمة على ضوء الشموع، يرسمن خريطة فلسطين بخيوط خضراء وحمراء، ويخبئن القطع المطرزة تحت الوسائد خوفاً من المداهمات.
تقول أم إبراهيم: "في غزة، حتى الإبرة تقاوم. حين ينقطع التيار الكهربائي، نعتمد على ضوء القمر. وحين يشتد القصف، نُمسك بأثوابنا، ففي ملمس الحرير المطرز طمأنينة تخبرنا أننا باقون ما بقي هذا التراث".
سارة، الحفيدة التي تدرس التصميم الجرافيكي، كانت ترى في تطريز جدتها شيئاً أبعد من التراث. كانت ترى "بكسلات" (Pixels) يدوية. بدأت سارة تساعد جدتها في اختيار الألوان، أدخلت اللون الفيروزي والذهبي، ودمجت "عرق الزيتون" بتصاميم عصرية للحقائب والسترات، لتمزج بين أصالة الجدة وعصرية الجيل الجديد.
في أحد الأيام، وبينما كانت غزة تلملم جراحها بعد عدوان غاشم، قررت أم إبراهيم أن تبدأ "ثوب الانتصار". لم يكن ثوباً عادياً، بل أرادت فيه أن تجمع غرزاً من كل مدينة فلسطينية. وضعت "خيمة الباشا" من غزة، و"ساعة يافا"، و"سنابل القمح" من جنين.
كان العمل على هذا الثوب يستغرق شهوراً. وفي كل غرزة، كانت تودع دعاءً أو أمنية. "هذه الغرزة لأجل الأسرى، وهذه لأجل البيوت التي هُدمت، وهذه لضحكة الأطفال التي لا تموت".
ومع مرور الوقت، تحول بيتها الصغير إلى "مدرسة مصغرة". بدأت نساء المخيم، الأرامل منهن والشابات الطموحات، يتجمعن حول أم إبراهيم. حولت "الخيط والإبرة" من وسيلة للزينة إلى مصدر للرزق والتمكين. أصبح التطريز الغزاوي يُصدر إلى العالم، يحمل معه رائحة البحر وعزيمة أهل القطاع.
تأتي لحظة الذروة في الحكاية عندما أقيم معرض للتراث في غزة. وقفت أم إبراهيم وبجانبها سارة، وكان "ثوب الانتصار" يتوسط القاعة. لم يكن مجرد قماش، بل كان تاريخاً يمشي على قدمين.
نظرت أم إبراهيم إلى الحاضرين وقالت بصوت متهدج: "يقولون إن الكبار يموتون والصغار ينسون، لكننا في غزة نُورّث الغرزة قبل أن نُورّث الأرض. ما دام هناك خيط وإبرة، فإن قصتنا لن تنتهي".
تسللت دمعة من عين سارة وهي ترى كيف تلمس النساء الثوب بإجلال، وكأنهن يلمسن تراب القدس. أدركت حينها أن "الخيط" هو الحبل السري الذي يربط غزة بماضيها، ويشدها نحو مستقبلها.
تغرب الشمس وراء بحر غزة، وتعود أم إبراهيم لبيتها. تضع إبرتها في مكانها المعهود، وتطوي الثوب بعناية. الحكاية في غزة لا تنتهي بكلمة "تمت"، بل بـ "يتبع". فكل مولودة جديدة في المخيم، ستتعلم يوماً ما كيف تمسك الإبرة، وكيف تجعل من الخيط الأحمر قصة حب لا تموت لأرض لا تستسلم.
في غزة، التطريز ليس مجرد "خيط وإبرة"، بل هو فعل مقاومة، ونبض حياة، ووثيقة عهد بأن الجمال أقوى من القبح، وأن الذاكرة أقوى من النسيان.
في زاوية صغيرة من مخيم الشاطئ، حيث تتزاحم البيوت وتتشابك أزقتها كخيوط "الماركة" على قطعة قماش، جلست الحاجة "أم إبراهيم" وخلفها نافذة تطل على بحر غزة الذي لا يمل من رواية قصص الصابرين. في حجرها، ثوب أسود من الحرير، وفي يدها إبرة رفيعة تجر خلفها خيطاً حريرياً بلون أحمر قانٍ، كأنه قطرة من دم القلب تُرسم على القماش.
لم يكن التطريز بالنسبة لأم إبراهيم مجرد حرفة، بل كان صلاة يومية، وطقساً من طقوس البقاء. تقول لحفيدتها "سارة" التي كانت تراقب حركة يدها بذهول: "يا ستي، الغرزة مش بس خيط، الغرزة ذاكرة. إذا ضاعت الغرزة، ضاع اسم البلاد".
بدأت الحكاية حين كانت أم إبراهيم طفلة في الثامنة، هناك في قرى يافا المهجرة. كانت تشاهد أمها وجدتها يجتمعن في "الحاكورة" تحت شجرة برتقال، يتبادلن الأحاديث التي لا تنتهي، بينما تتحرك أصابعهن بسرعة مذهلة لترسم "عروق الورد" و"ريش النعام".
"أتذكرين يا سارة؟" تسأل الجدة وهي تغرز الإبرة في القماش، "هذه الغرزة تسمى (القلادة). كانت تلبسها العروس لتشبه الملكات. في غزة، تعلمنا أن التطريز هو هويتنا التي لا يستطيع أحد مصادرتها. فالسجان قد يسرق الأرض، لكنه لا يستطيع سرق شكل (نجمة كنعان) من ذاكرتنا".
كانت غزة دوماً حاضنة لهذا الفن، فالمهاجرات اللواتي وصلن إليها عام 1948 حملن معهن أثوابهن كوثائق ملكية. ثوب بئر السبع الواسع بزهوره البرية، وثوب يافا المزين بأشجار السرو، وثوب الخليل الثقيل بألوانه الداكنة. في مخيمات غزة، اختلطت هذه الأنماط لتشكل لوحة فسيفسائية فريدة، وأصبح التطريز "لغة سرية" تعبر عن الصمود.
لم تكن الرحلة سهلة. ففي غزة، حيث الحصار يطبق فكيه على كل شيء، صار الحصول على خيوط "DMC" الفرنسية الأصلية أو القماش "الكنفا" رحلة شاقة. تتذكر أم إبراهيم سنوات الانتفاضة، حين كان التجول ممنوعاً، كانت النسوة يطرزن في العتمة على ضوء الشموع، يرسمن خريطة فلسطين بخيوط خضراء وحمراء، ويخبئن القطع المطرزة تحت الوسائد خوفاً من المداهمات.
تقول أم إبراهيم: "في غزة، حتى الإبرة تقاوم. حين ينقطع التيار الكهربائي، نعتمد على ضوء القمر. وحين يشتد القصف، نُمسك بأثوابنا، ففي ملمس الحرير المطرز طمأنينة تخبرنا أننا باقون ما بقي هذا التراث".
سارة، الحفيدة التي تدرس التصميم الجرافيكي، كانت ترى في تطريز جدتها شيئاً أبعد من التراث. كانت ترى "بكسلات" (Pixels) يدوية. بدأت سارة تساعد جدتها في اختيار الألوان، أدخلت اللون الفيروزي والذهبي، ودمجت "عرق الزيتون" بتصاميم عصرية للحقائب والسترات، لتمزج بين أصالة الجدة وعصرية الجيل الجديد.
في أحد الأيام، وبينما كانت غزة تلملم جراحها بعد عدوان غاشم، قررت أم إبراهيم أن تبدأ "ثوب الانتصار". لم يكن ثوباً عادياً، بل أرادت فيه أن تجمع غرزاً من كل مدينة فلسطينية. وضعت "خيمة الباشا" من غزة، و"ساعة يافا"، و"سنابل القمح" من جنين.
كان العمل على هذا الثوب يستغرق شهوراً. وفي كل غرزة، كانت تودع دعاءً أو أمنية. "هذه الغرزة لأجل الأسرى، وهذه لأجل البيوت التي هُدمت، وهذه لضحكة الأطفال التي لا تموت".
ومع مرور الوقت، تحول بيتها الصغير إلى "مدرسة مصغرة". بدأت نساء المخيم، الأرامل منهن والشابات الطموحات، يتجمعن حول أم إبراهيم. حولت "الخيط والإبرة" من وسيلة للزينة إلى مصدر للرزق والتمكين. أصبح التطريز الغزاوي يُصدر إلى العالم، يحمل معه رائحة البحر وعزيمة أهل القطاع.
تأتي لحظة الذروة في الحكاية عندما أقيم معرض للتراث في غزة. وقفت أم إبراهيم وبجانبها سارة، وكان "ثوب الانتصار" يتوسط القاعة. لم يكن مجرد قماش، بل كان تاريخاً يمشي على قدمين.
نظرت أم إبراهيم إلى الحاضرين وقالت بصوت متهدج: "يقولون إن الكبار يموتون والصغار ينسون، لكننا في غزة نُورّث الغرزة قبل أن نُورّث الأرض. ما دام هناك خيط وإبرة، فإن قصتنا لن تنتهي".
تسللت دمعة من عين سارة وهي ترى كيف تلمس النساء الثوب بإجلال، وكأنهن يلمسن تراب القدس. أدركت حينها أن "الخيط" هو الحبل السري الذي يربط غزة بماضيها، ويشدها نحو مستقبلها.
تغرب الشمس وراء بحر غزة، وتعود أم إبراهيم لبيتها. تضع إبرتها في مكانها المعهود، وتطوي الثوب بعناية. الحكاية في غزة لا تنتهي بكلمة "تمت"، بل بـ "يتبع". فكل مولودة جديدة في المخيم، ستتعلم يوماً ما كيف تمسك الإبرة، وكيف تجعل من الخيط الأحمر قصة حب لا تموت لأرض لا تستسلم.
في غزة، التطريز ليس مجرد "خيط وإبرة"، بل هو فعل مقاومة، ونبض حياة، ووثيقة عهد بأن الجمال أقوى من القبح، وأن الذاكرة أقوى من النسيان.
هذه القصة مقدمة من المستخدم: هبة محمد خضير.